الى الصفحة الرئيسية

الى المكتبة الهاشمية

الى فهرس الجزء 2

 

فصل

علاج الحسد

لما علم ان الحسد من الامراض المهلكة للنفوس، فاعلم ان امراض النفوس لا تداوى الا بالعلم و العمل. و العلم النافع لمرض الحسد ان تعرف انه يضرك في الدين و الدنيا، و لا يضر محسودك فيهما، بل ينتفع به فيهما.

و مهما عرفت ذلك عن بصيرة و تحقيق، و لم تكن عدو نفسك لا صديق عدوك، فارقت الحسد.

و اما انه يضر بدينك و يؤدى بك الى عذاب الابد و عقاب السرمد فلما علمت من الآيات و الاخبار الواردة في ذمه و عقوبة صاحبه، و لما عرفت من كون الحاسد ساخطا لقضاء الله تعالى، و كارها لنعمه التي قسمها لعباده، و منكرا لعدله الذى اجراه في ملكه. و مثل هذا السخط و الانكار لايجابه الضدية و العناد لخالق العباد، كاد ان يزيل اصل التوحيد و الايمان فضلا عن الاضرار بهما. على ان الحسد يوجب الغش و العداوة بالمؤمن، و ترك نصيحته و موالاته و تعظيمه و مراعاته و مفارقة انبياء الله و اوليائه في حبهم الخير و النعمة له، و مشاركة الشيطان و احزابه في فرحهم بوقوع المصائب و البلايا عليه، و زوال النعم عنه. و هذه خبائث في النفس، تاكل الحسنات كما تاكل النار الحطب.

و اما انه يضرك في الدنيا، لانك تتالم و تتعذب به، و لا تزال في تعب و غم و كد و هم، اذ نعم الله لا تنقطع عن عباده و لا عن اعدائك، فانت تتعذب بكل نعمة تراها لهم، و تتالم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى دائما مغموما محزونا، ضيق النفس منشعب القلب، فانت‏باختيارك تجر الى نفسك ما تريد لاعدائك و يريد اعداؤك لك. و ما اعجب من العاقل ان يتعرض لسخط الله و مقته في الآجل، و دوام الضرر و الالم في العاجل فيهلك دينه و دنياه من غير جدوى و فائدة.

و اما انه لا يضر المحسود في دينه و دنياه فظاهر، لان النعمة لا تزول عنه بحسدك. اذ ما قدره الله من النعم على عباده لا بد ان يستمر الى وقته و لا ينفع التدبير و الحيلة في دفعه، لا مانع لما اعطاه و لا راد لما قضاه:

«لكل اجل كتاب‏» . «و كل شي‏ء عنده بمقدار» (1) .

و لو كانت النعم تزول بالحسد، لم تبق عليك و على كافة الخلق نعمة، لعدم خلوك و خلوهم عن الحسد، بل لم تبق نعمة الايمان على المؤمنين، اذ الكفار يحسدونهم، كما قال الله سبحانه:

«ودت طائفة من اهل الكتاب لو يضلونكم و ما يضلون الا انفسهم و ما يشعرون‏» (2) .

و لو تصورت زوال النعمة عن محسودك بحسدك، و عدم زوالها عنك بحسد حاسدك، لكنت اجهل الناس و اشدهم غباوة. نعم، ربما صار حسدك منشا لانتشار فضل المحسود، كما قيل:

و اذا اراد الله نشر فضيلة×طويت، اتاح لها لسان حسود فاذا لم تزل نعمته بحسدك، لم يضره في الدنيا، و لا يكون عليه اثم في الاخرة.

و اما انه ينفعه في الدين، فلذلك ظاهر من حيث كونه مظلوما من جهتك، (لا) سيما اذا اخرجك الحسد الى ما لا ينبغي من القول و الفعل كالغيبة، و البهتان، و هتك ستره، و افشاء سره، و القدح فيه، و ذكر مساويه. فتحتمل بهذه الهدايا التي تهديها اليه بعضا من اوزاره و عصيانه و تنقل شطرا من حسناتك الى ديوانه، فيلقاك يوم القيامه مفلسا محروما عن الرحمة، كما كنت تلقاه في الدنيا محروما عن النعمة. فاضفت له نعمة الى نعمة، و لنفسك نقمة الى نقمة.

و اما انه ينفعه في الدنيا، فهو ان اهم اغراض الناس مساءة الاعداء و سوء حالهم، و كونهم متالمين معذبين. و لا عذاب اشد مما انت فيه من الم الحسد. فقد فعلت‏بنفسك ما هو غاية مراد حسادك في الدنيا. و اذا تاملت هذا، عرفت ان كل حاسد عدو نفسه، و صديق عدوه. فمن تامل في ذلك، و تذكر ما ياتي من فوائد النصيحة و حب الخير و النعمة للمسلمين، و لم يكن عدو نفسه، فارق الحسد البتة.

و اما العمل النافع فيه، فهو ان يواظب على آثار النصيحة التي هي ضده، بان يصمم على ان يكلف نفسه بنقيض ما يقتضيه الحسد من قول و فعل، فان بعثه الحسد على التكبر عليه، الزم نفسه التواضع له، و ان بعثه على غيبته و القدح فيه، كلف لسانه المدح و الثناء عليه، و ان بعثه على الغش و الخرق بالنسبة اليه، كلف نفسه بحسن البشر و اللين معه، و ان بعثه على كف الانعام عنه، الزم نفسه زيادته. و مهما فعل ذلك عن تكلف و كرره و داوم عليه، انقطعت عنه مادة الحسد على التدريج. على ان المحسود اذا عرف منه ذلك طاب قلبه و احبه، و اذا ظهر حبه للحاسد زال حسده و احبه ايضا، فتتولد بينهما الموافقة، و ترتفع عنهما مادة المحاسدة و هذا هو المعالجة الكلية لمطلق مرض الحسد. و العلاج النافع لكل نوع منه، ان يقمع سببه، من خبث النفس و حب الرئاسة و الكبر و عزة النفس و شدة الحرص و غير ذلك مما ذكر، و علاج كل واحد من هذه الاسباب ياتي في محله.

تنبيه

القدر الواجب في نفي الحسد

اعلم ان مساواة حسن حال العدو و سوء حاله، و عدم وجدان التفرقة بينهما في النفس، ليست مما تدخل تحت الاختيار. فالتكليف به تكليف بالمحال. فالواجب في نفي الحسد و ازالته هو القدر الذي يمكن دفعه، و بيان ذلك-كما اشير اليه-ان الحسد:

(اولا) اما يبعث صاحبه على اظهاره بقول او فعل، بحيث‏يعرف حسده من آثاره الاختيارية، و لا ريب في كونه مذموما محرما، و كون صاحيه عاصيا آثما، لا لمجرد آثاره الظاهرة التي هي الغيبة و البهتان مثلا، اذ هي افعال صادرة عن الحسد، محلها الجوارح، و ليست عين الحسد، اذ هو صفة للقلب لا صفة للفعل، و محله القلب دون الجوارح، قال الله سبحانه:

«و لا يجدون في صدوهم حاجة مما اوتوا» (3) . و قال:

«و دوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء» (4) . و قال:

«ان تمسسكم حسنة تسؤهم‏» (5) .

فلو كان الاثم على مجرد افعال الجوارح، لم يكن اصل الحسد الذى هو صفة القلب معصية، و الامر ليس كذلك، فيكون عاصيا لنفس الحسد الذي فى قلبه ايضا، اعني ارتياحه بزوال النعمة مع عدم كراهة ذلك من نفسه. و الاثم حقيقة على عدم كراهته و عدم مقته و قهره على نفسه لهذا الارتياح الذي يجده منها، لكونه اختياريا ممكن الزوال، لا على نفس الارتياح و الاهتزاز، لما اشير اليه من انه طبيعي غير ممكن الدفع لكل احد فهذا القسم من الحسد اشد انواعه، لترتب معصيته على اصله، و اخرى على ما يصدر عنه من آثاره المذمومة.

(ثانيا) اولا يبعثه على اظهاره بالآثار القولية و الفعلية، بل يكف ظاهره عنها، الا انه بباطنه يحب زوال النعمة من دون كراهة في نفسه لهذه الحالة. و لا ريب في كونه مذموما محرما ايضا، لانه كسابقه بعينه و لا فرق الا في انه لا تصدر منه الاثار الفعلية و القولية الظاهرة، فهو ليس بمظلمة بحسب الاستحلال منها، بل معصية بينه و بين الله، لان الاستحلال انما هو من الافعال الظاهرة الصادرة من الجوارح.

(ثالثا) اولا يبعثه على الاثار الذميمة الظاهرة، و مع ذلك يلزم قلبه كراهة ما يترشح منه طبعا من حب زوال النعمة، حتى انه يمقت نفسه و يقهرها على هذه الحالة التي رسخت فيها. و الظاهر عدم ترتب الاثم عليه اذ تكون كراهته التى من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد ادى الواجب عليه. و اصل الميل الطبيعي لا يدخل تحت الاختيار غالبا، اذ تغير الطبع بحيث‏يستوى عنده المحسن و المسي‏ء، و عدم التفرقة بين ما يصل منهما اليه من النعمة و البلية، ليس شريعة لكل وارد. نعم من تنور قلبه بمعرفة ربه، و اشرقت نفسه باضواء حبه و انسه، و صار مستغرقا بحب الله تعالى مثل الشكران الواله، و استشعر بالارتباط الخاص الذي بين العلة و المعلول، و الاتحاد الذي بين الخالق و المخلوق، و علم انه اقوى النسب و الروابط، ثم تيقن بان الموجودات باسرها من رشحات وجوده، و الكائنات برمتها صادرة عن فيضه وجوده، و ان الاعيان الممكنة متساوية في ارتضاع لبان الوجود من ثدى واحدة، و الحقائق الكونية غير متفاوتة في شرب ماء الرحمة و الجود من مشرع الوحدة الحقيقية-فقد ينتهى امره الى الا تلتفت نفسه الى تفاصيل احوال العباد، بل ينظر الى الكل بعين واحدة، و هي عين الرحمة، و يرى الكل عبادا لله و افعاله، و يراهم مسخرين له، فلا ينظر الى شي‏ء بعين السخط و المساءة، و ان ورد منه ما ورد من السوء و البلية، لانه ينظر اليه من حيث هو حتى يظهر التفاوت بل من حيث انتسابه اليه سبحانه، و الكل فى الانتساب اليه سواء.

ثم من الناس من ذهب الى انه لا اثم على الحسد ما لم تظهر آثاره على الجوارح، و على هذا ينحصر الحسد المحرم في القسم الاول. و احتج على ما ذهب اليه بما ذكرناه من قوله-صلى الله عليه و آله-: «ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن: الحسد. . . » ، و بقوله-صلى الله عليه و آله-:

ثلاث في المؤمن له منهن مخرج، و مخرجه من الحسد الا يبغي‏» و الصحيح ان تحمل امثال هذه الاخبار على القسم الثالث، و هو ما يكون فيه ارتياح النفس بزوال النعمة طبعا مع كراهة له من جهة العقل و الدين، حتى تكون هذه الكراهة في مقابلة حب الطبع. اذ اخبار ذم الحسد تدل بظاهرها على ان كل حاسد آثم، و الحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الافعال الظاهرة. و على هذا المذهب، لا يكون اثم على صفة القلب، بل انما يكون على مجرد الافعال الظاهرة على الجوارح.

ففد اتضح بما ذكر، ان الاحوال المتصورة لكل احد بالنسبة الى اعدائه ثلاثة: الاولى: ان يحب مساعتهم، و يظهر الفرح بمساءتهم بلسانه و جوارحه، او يظهر ما يؤذيهم قولا او فعلا، و هذا محظور محرم قطعا، و صاحبه عاص آثم جزما. الثانية: ان يحب مساعتهم طبعا، و لكن يكره حبه لذلك بعقله، و يمقت نفسه عليه، و لو كانت له حيلة في ازالة ذلك الميل لازاله. و هذا معفو عنه وفاقا، و فاعله غير آثم اجماعا. الثالثة: و هى ما بين الاوليين: ان يحسد بالقلب من غير مقته لنفسه على حسده، و من غير افكار منه على قلبه، و لكن يحفظ جوارحه عن صدور آثار الحسد عنها، و هذا محل الخلاف. و قد عرفت ما هو الحق فيه.

وصل

النصيحة

قد عرفت ان ضد الحقد و الحسد (النصيحة) ، و هي ارادة بقاء نعمة الله للمسلمين، و كراهة وصول الشر اليهم. و قد تطلق في الاخبار على ارشادهم الى ما فيه مصلحتهم و غبطتهم، و هو لازم للمعنى الاول.

فينبغي ان نشير الى فوائدها و ما ورد في مدحها، تحريكا للطالبين على المواظبة عليها ليرتفع بها ضدها.

اعلم ان من احب الخير و النعمة للمسلمين كان شريكا في الخير، بمعنى انه في الثواب كالمنعم و فاعل الخير. و قد ثبت من الاخبار، ان من لم يدرك درجة الاخيار بصالحات الاعمال، و لكنه احبهم، يكون يوم القيامة محشورا معهم، كما ورد: «ان المرء يحشر مع من احب‏» . و قال اعرابي لرسول الله: «الرجل يحب القوم و لما يلحق بهم. فقال صلى الله عليه و آله: المرء مع من احب‏» و قال رجل بحضرة النبي-بعد ما ذكرت الساعة-: «ما اعددت لها من كثير صلاة و لا صيام، الا انى احب الله و رسوله. فقال-صلى الله عليه و آله-انت مع من احببت‏» ، قال الراوي: فما فرح المسلمون بعد اسلامهم كفرحهم يومئذ، اذ اكثر ثقتهم كانت‏بحب الله و بحب رسوله. و روى: «انه قيل له صلى الله عليه و آله: الرجل يحب المصلين و لا يصلى، و يحب الصوام و لا يصوم -حتى عد اشياء-فقال: هو مع من احب‏» . و بهذا المضمون وردت اخبار كثيرة.

و الاخبار الواردة في مدح خصوص النصيحة و ذم تركها، و في ثواب ترك الحسد و عظم فوائده، اكثر من ان تحصى. عن ابي عبد الله عليه السلام قال: «قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: ان اعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة امشاهم في ارضه بالنصيحة لخلقه‏» . و عن ابي جعفر عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله: لينصح الرجل منكم اخاه كنصيحته لنفسه‏» . و قال الباقر-عليه السلام-: «يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة‏» . و قال الصادق عليه السلام: «يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد و المغيب‏» . و قال عليه السلام: «عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل افضل منه‏» ، و بمضمونها اخبار.

و عن ابي عبد الله عليه السلام قال: «قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: من سعى في حاجة لاخيه فلم ينصحه، فقد خان الله و رسوله‏»

و قال الصادق-عليه السلام-: «من مشى في حاجة اخيه، ثم لم يناصحه فيها، كان كمن خان الله و رسوله، و كان الله خصمه‏» (6) .

و الاخبار الاخر بهذا المضمون ايضا كثيرة.

و روى: «ان رسول الله-صلى الله عليه و آله-شهد لرجل من من الانصار بانه من اهل الجنة‏» ، و كان باعثه-بعد التفتيش-خلوه عن الغش و الحسد على خير اعطى احدا من المسلمين. و روى: «ان موسى-عليه السلام-لما تعجل الى ربه، راى في ظل العرش رجلا، فغبطه بمكانه، و قال: ان هذا لكريم على ربه. فسال ربه ان يخبر باسمه فلم يخبره باسمه، و قال: احدثك عن عمله: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، و كان لا يعق و الديه، و لا يمشى بالنميمة‏» .

و غاية النصيحة، ان يحب لاخيه ما يحب لنفسه، قال رسول الله -صلى الله عليه و آله-: «المؤمن يحب للمؤمن ما يحب لنفسه‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه‏» .

و قال صلى الله عليه و آله: «ان احدكم مرآة اخيه، فاذا راى به شيئا فليمط عنه هذا» .

و منها:

الايذاء و الاهانة و الاحتقار

و لا ريب في كون ذلك في الغالب مترتبا على العداوة و الحسد، و ان ترتب بعض افرادها في بعض الاحيان على مجرد الطمع او الحرص ليكون من رداءة القوة الشهوية، او على مجرد الغضب و سوء الخلق و الكبر، و ان لم يكن حقد و حسد. و على اي تقدير، لا شبهة في ان الايذاء للمؤمن و احتقاره محرم في الشريعة، موجب للهلاك الابدي قال الله سبحانه:

«و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و اثما مبينا» (7) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «من آذى مؤمنا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله، و من آذى الله فهو ملعون في التوراة و الانجيل و الزبور و الفرقان‏» . و في خبر آخر: «فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس اجمعين‏» (8) . و قال صلى الله عليه و آله: «المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «لا يحل للمسلم ان يشير الى اخيه بنظرة تؤذيه‏» . و قال-صلى الله عليه و آله- «الا انبئكم بالمؤمن! من ائتمنه المؤمنون على انفسهم و اموالهم. الا انبئكم بالمسلم!

من سلم المسلمون من لسانه و يده. و المؤمن حرام على المؤمن ان يظلمه او يخذله او يغتابه او يدفعه دفعة‏» . و قال الصادق عليه السلام: «قال الله عز و جل: «لياذن بحرب منى من آذى عبدى المؤمن‏» . و قال عليه السلام: «اذا كان يوم القيامة، نادى مناد: اين المؤذون لاوليائي؟

فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين و نصبوا لهم و عاندوهم و عنفوهم في دينهم. ثم يؤمر بهم الى جهنم‏» .

و قال-عليه السلام-: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله: قال الله تبارك و تعالى. من اهان لي وليا فقد ارصد لمحاربتي‏» و قال-عليه السلام-: «ان الله تبارك و تعالى يقول: من اهان لي وليا فقد ارصد لمحاربتي، و انا اسرع شي‏ء الى نصرة اوليائي‏» . و قال عليه السلام:

«قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: قال الله عز و جل: قد نابذني من اذل عبدي المؤمن‏» . و قال عليه السلام: «من حقر مؤمنا مسكينا او غير مسكين، لم يزل الله عز و جل حاقرا له ماقتا، حتى يرجع عن محقرته اياه‏» (9) . و في معناها اخبار كثيرة آخر.

و من عرف النسبة التي بين العلة و المعلول، و الربط الخاص الذي بين الخالق و المخلوق، يعلم ان ايذاء العباد و اهانتهم يرجع في الحقيقة الى ايذاء الله و اهانته، و كفاه بذلك ذما. فيجب على كل عاقل ان يكون دائما متذكرا لذم ايذاء المسلمين و احتقارهم، و لمدح ضدهما، من رفع الاذية عنهم و اكرامهم-كما ياتي-، و يحافظ نفسه عن ارتكابهما، لئلا يفتضح فى الدنيا و يعذب في الآخرة.

وصل

كف الاذى عن المسلمين

لا ريب في فضيلة اضداد ما ذكر و فوائدها، من كف الاذى عن المؤمنين و المسلمين و اكرامهم و تعظيمهم. و الظواهر الواردة في مدح دفع الضرر و كف الاذى عن الناس كثيرة، كقول النبي-صلى الله عليه و آله-:

«من رد عن قوم من المسلمين عادية ماء او نار وجبت له الجنة‏» (10)

و قوله-صلى الله عليه و آله-: «افضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه و يده‏» . و قوله-صلى الله عليه و آله-في حديث طويل امر فيه بالفضائل: «. . . فان لم تقدر فدع الناس من الشر، فانها صدقة تصدقت‏بها على نفسك‏» . و قوله-صلى الله عليه و آله- «رايت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها عن ظهر الطريق كانت تؤذى المسلمين‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «من زحزح من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم، كتب الله له به حسنة اوجب له بها الجنة‏» (11) .

و كذا الاخبار التي وردت في مدح اكرام المؤمن و تعظيمه كثيرة.

قال الصادق-عليه السلام-: «قال الله سبحانه: ليامن غضبي من اكرم عبدي المؤمن‏» . و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «من اكرم اخاه المسلم بكلمة يلطفه بها، و فرج عنه كربته، لم يزل في ظل الله الممدود، و عليه الرحمة ما كان في ذلك‏» . و قال صلى الله عليه و آله «ما في امتي عبد الطف اخاه في الله بشي‏ء من لطف، الا اخدمه الله من خدم الجنة‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «ايما مسلم خدم قوما من المسلمين الا اعطاه الله مثل عددهم خداما في الجنة‏» . و قال الصادق -عليه السلام-: «من اخذ من وجه اخيه المؤمن قذاة، كتب الله عز و جل له عشرة حسنات، و من تبسم في وجه اخيه كانت له حسنة‏»

و قال-عليه السلام-: «من قال لاخيه: مرحبا، كتب الله له مرحبا الى يوم القيامة‏» . و قال عليه السلام: «من اتاه اخوه المؤمن فاكرمه، فانما اكرم الله عز و جل‏» . و قال عليه السلام لاسحاق بن عمار: «احسن يا اسحاق الى اوليائى ما استطعت، فما احسن مؤمن الى مؤمن و لا اعانه الا خمش وجه ابليس و قرح قلبه‏» (12) .

ثم ينبغي تخصيص بعض طبقات الناس بزيادة التعظيم و الاكرام، كاهل العلم و الورع، لما ورد من الحث الاكيد في الاخبار على اكرامهم و الاحسان اليهم، و كذا ينبغي تخصيص ذي الشيبة المسلم بزيادة التوقير و التكريم، و قد ورد ذلك في الاخبار الكثيرة، قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «من عرف فضل كبير لسنه فوقره، آمنه الله من فزع يوم القيامة‏» . و قال الصادق-عليه السلام-: «ان من اجلال الله عز و جل اجلال الشيخ الكبير» . و قال عليه السلام-: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا و يرحم صغيرنا» . و الاخبار في هذا المضمون كثيرة.

و كذا ينبغي تخصيص كريم القوم بزيادة الاكرام، لقول النبي-صلى الله عليه و آله- «اذا اتاكم كريم قوم فاكرموه‏» (13) .

و كذا تخصيص الذرية العلوية بزيادة الاكرام و التعظيم. قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «حقت‏شفاعتي لمن اعان ذريتي بيده و لسانه و ماله‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «اربعة انالهم شفيع يوم القيامة:

المكرم لذريتي، و القاضي لهم حوائجهم، و الساعي لهم في امورهم عندما اضطروا اليه، و المحب لهم بقلبه و لسانه‏» (14) . و قال صلى الله عليه و آله «اكرموا اولادى، و حسنوا آدابي‏» . و قال صلى الله عليه و آله «اكرموا اولادى، الصالحون لله و الصالحون لي‏» . و الاخبار في فضل السادات و ثواب من يكرمهم و يعينهم اكثر من ان تحصى.

و اضرار المسلم قريب من معنى ايذائه، و ربما كان الاضرار اخص منه، فما يدل على ذمه يدل على ذمه، كقول النبي-صلى الله عليه و آله- «خصلتان ليس فوقهما شي‏ء من الشر: الشرك بالله تعالى، و الضر بعباد الله‏» . و كذا ضده، اعني ايصال النفع اليه، قريب من معنى ضده و اخص منه. فما يدل على مدحه يدل على مدحه. و لا ريب في ان ايصال النفع الى المؤمنين من شرائف الصفات و الافعال. و الاخبار الواردة في فضيلته كثيرة، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «الخلق عيال الله، فاحب الخلق الى الله من نفع عيال الله و ادخل على اهل بيته سرورا» . و سئل صلى الله عليه و آله: «من احب الناس الى الله؟ قال: انفع الناس للناس‏» (15)

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «خصلتان من الخير ليس فوقهما شي‏ء من البر: الايمان بالله، و النفع لعباد الله‏» .

تنبيه

ذم الظلم بالمعنى الاخص

اعلم ان الظلم قد يراد به ما هو ضد العدالة، و هو التعدى عن الوسط في اى شي‏ء كان، و هو جامع للرذائل باسرها-كما اشير اليه-و هذا هو الظلم بالمعنى الاعم، و قد يطلق عليه الجور ايضا، و قد يراد به ما يرادف الاضرار و الايذاء بالغير، و هو يتناول قتله و ضربه و شتمه و قذفه و غيبته و اخذ ماله قهرا و نهبا و غصبا و سرقة و غير ذلك من الاقوال و الافعال المؤذية. و هذا هو الظلم بالمعنى الاخص، و هو المراد اذا اطلق في الآيات و الاخبار و في عرف الناس. و باعثه ان كانت العداوة و الحسد، يكون من رذائل قوة الغضب، و ان كان الحرص و الطمع في المال، يكون من رذائل قوة الشهوة. و هو اعظم المعاصي و اشدها عذابا باتفاق جميع الطوائف و يدل على ذمه-بعد ما ورد في ذم كل واحد من الامور المندرجة تحته كما ياتي بعضها-ما تكرر في القرآن من اللعن على الظالمين، و كفاه ذما انه تعالى قال في مقام ذم الشرك:

«ان الشرك لظلم عظيم‏» (16) . و قال: «انما السبيل على‏الذين يظلمون الناس و يبغون في الارض بغير الحق اولئك‏لهم عذاب اليم‏» (17) . و قال: «و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون‏» (18) . و قال: «و سيعلم الذين ظلموا اي‏منقلب ينقلبون‏» (19) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «ان اهون الخلق على الله، من ولي امر المسلمين فلم يعدل لهم‏» . و قال-صلى الله عليه و آله- «جور ساعة في حكم، اشد و اعظم عند الله من معاصي تسعين سنة‏» .

و قال-صلى الله عليه و آله-: «اتقوا الظلم، فانه ظلمات يوم القيامة‏»

و قال صلى الله عليه و آله: «من خاف القصاص، كف عن ظلم الناس‏»

و روى: «انه تعالى اوحى الى داود: قل للظالمين لا تذكروني، فان حقا علي ان اذكر من ذكرنى، و ان ذكرى اياهم ان العنهم‏» . و قال علي ابن الحسين-عليهما السلام-لابنه ابي جعفر-عليه السلام-حين حضرته الوفاة: «يا بني، اياك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا الا الله‏» . و قال ابو جعفر-عليه السلام-: «ما من احد يظلم بمظلمة الا اخذه الله تعالى بها في نفسه او ماله‏» . و قال رجل له-عليه السلام-: «اني كنت من الولاة، فهل لي من توبة؟ فقال: لا! حتى تؤدي الى كل ذي حق حقه‏» . و قال-عليه السلام-: «الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله تعالى، و ظلم لا يغفره الله تعالى، و ظلم لا يدعه الله. فاما الظلم الذي لا يغفره الله عز و جل فالشرك، و اما الظلم الذي يغفره الله عز و جل فظلم الرجل نفسه فيما بينه و بين الله عز و جل، و اما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد»

و قال الصادق-عليه السلام-في قوله تعالى:

«ان ربك لبالمرصاد» (20) .

«قنطرة على الصراط، لا يجوزها عبد بمظلمة‏» . و قال عليه السلام «ما من مظلمة اشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا الا الله تعالى‏»

و قال: «من اكل مال اخيه ظلما، و لم يرده اليه، اكل جذوة من النار يوم القيامة‏» . و قال-عليه السلام-: «ان الله عز و جل اوحى الى نبي من انبيائه في مملكة جبار من الجبارين: ان ائت هذا الجبار، فقل له: اني لم استعملك على سفك الدماء و اتخاذ الاموال، و انما استعملتك لتكف عنى اصوات المظلومين، فاني لن ادع ظلامتهم و ان كانوا كفارا»

و قال عليه السلام: «اما ان المظلوم ياخذ من دين الظالم اكثر مما ياخذ الظالم من مال المظلوم. . . ثم قال: من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر اذا فعل به. اما انه يحصد ابن آدم ما يزرع. و ليس يحصد احد من المر حلوا، و لا من الحلو مرا» . و قال عليه السلام: «من ظلم، سلط الله عليه من يظلمه، او على عقبه او على عقب عقبه‏» قال الراوى: «قلت هو يظلم، فيسلط الله على عقبه او على عقب عقبه؟ ! قال: فان الله تعالى يقول:

«و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله و ليقولوا قولا سديدا» (21) .

و الظاهر ان مؤاخذة الاولاد بظلم آبائهم انما هو في الاولاد الذين كانوا راضين بفعل آبائهم، او وصل اليهم اثر ظلمهم، اى انتقل اليهم منهم بعض اموال المظلومين. و قال بعض العلماء: الوجه في ذلك: ان الدنيا دار مكافاة و انتقام، وان كان بعض ذلك مما يؤخر الى الآخرة.

و فائدة ذلك اما بالنسبة الى الظالم فانه يردعه عن الظلم اذا سمع، و اما بالنسبة الى المظلوم فانه يستبشر بنيل الانتقام في الدنيا مع نيله ثواب الظلم الواقع عليه في الآخرة، فانه ما ظفر احد بخير مما ظفر به المظلوم، لانه ياخذ من دين الظالم اكثر مما اخذ الظالم من ماله، كما تقدم، و هذا مما يصحح الانتقام من عقب الظلم او عقب عقبه، فانه و ان كان في صورة الظلم، لانه انتقام من غير اهله، مع انه لا تزر وازرة وزر اخرى، الا انه نعمة من الله عليه في المعنى من جهة ثوابه في الدارين، فان ثواب المظلوم في الآخرة اكثر مما جرى عليه من الظلم في الدنيا.

ثم ان معين الظالم، و الراضي بفعله، و الساعى له في قضاء حوائجه و حصول مقاصده، كالظالم بعينه في الاثم و العقوبة. قال الصادق عليه السلام: «العالم بالظلم، و المعين له، و الراضى به، شركاء ثلاثتهم‏» .

و قال عليه السلام: «من عذر ظالما بظلمه، سلط الله عليه من يظلمه، فان دعا لم يستجب له، و لم ياجره الله على ظلامته‏» . و قال رسول الله -صلى الله عليه و آله-: «شر الناس المثلث؟ » ، قيل: و ما المثلث قال: «الذى يسعى باخيه الى السلطان، فيهلك نفسه، و يهلك اخاه، و يهلك السلطان‏» . و قال صلى الله عليه و آله-: «من مشى مع ظالم فقد اجرم‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «اذا كان يوم القيامة، نادى مناد: اين الظلمة و اعوان الظلمة و من لاق لهم دواة او ربط لهم كيسا او مدهم بمدة قلم؟ فاحشروهم معهم‏» .

وصل

العدل بالمعنى الاخص

ضد الظلم بالمعنى الاخص هو العدل بالمعنى الاخص، و هو الكف عنه، و رفعه، و الاستقامة، و اقامة كل احد على حقه. و العدل بهذا المعنى هو المراد عند اطلاقه في الآيات و الاخبار، و فضيلته اكثر من ان تحصى. قال الله سبحانه:

«ان الله يامر بالعدل و الاحسان. . . » (22) . و قال:

«ان الل