الى الصفحة الرئيسية

الى المكتبة الهاشمية

الى فهرس الجزء 1

 

الباب الثالث في طريق حفظ اعتدال الاخلاق المحمودة واستحصالها بازالة نقائضها المذمومة

الطريق لحفظ اعتدال الفضائل-قانون العلاج في الطب الروحاني- طريقة معرفة الامراض النفسية-المعالجات الكلية لامراض النفس- المعالجات الخاصة لامراض النفس. و له اربعة مقامات:

(الاول) ما يتعلق بالقوة العاقلة من الرذائل و الفضائل و كيفية علاج الرذائل.

(الثاني) ما يتعلق بالقوة الغضبية من الرذائل و الفضائل و كيفية العلاج (الثالث) ما يتعلق بالقوة الشهوية من الرذائل و الفضائل و كيفية العلاج.

(الرابع) ما يتعلق بالقوى الثلاث او باثنتين منها. و فيه فصول (1) :

فصل

(الطريق لحفظ اعتدال الفضائل)

قد تقرر في الطب الجسماني ان حفظ الصحة بايراد المثل و ملائم المزاج فيجب ان يكون حفظ اعتدال الفضائل ايضا بذلك. و ايراد المثل لحفظ اعتدالها يكون بامور:

(منها) اختيار مصاحبة الاخيار، و المعاشرة مع اولى الفضائل الخلقية و استماع كيفية سلوكهم مع الخالق و الخليقة، و الاجتناب عن مجالسة الاشرار و ذوي الاخلاق السيئة، و الاحتراز عن استماع قصصهم و حكاياتهم و ما صدر عنهم من الافعال و مزخرفاتهم، فان المصاحبة مع كل احد اقوى باعث على الاتصاف باوصافه، فان الطبع يسترق من الطبع كلا من الخير و الشر. و السر: ان النفس الانسانية ذات قوى بعضها يدعو الى الخيرات و الفضائل و بعضها يقتضى الشرور و الرذائل، و كلما حصل لاحدهما ادنى باعث لما تقتضيه جبلته مال اليه و غلب على صاحبه الى الخير، و لكون دواعى الشر من القوى اكثر من بواعث الخير منها، يكون الميل الى الشر اسرع و اسهل بالنسبة الى الميل الى الخير، و لذا قيل: ان تحصيل الفضائل بمنزلة الصعود الى الاعالى و كسب الرذائل بمثابة النزول منها، و الى ذلك يشير قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات‏» .

(و منها) اعمال القوى في شرائف الصفات، و المواضبة على الافعال التي هي آثار فضائل الملكات، و حمل النفس على الاعمال التي يقتضيها الخلق الذى يريد حفظه، فالحافظ لملكة الجود يجب ان يواظب على انفاق المال و بذله على المستحقين، و يقهر على نفسه عند وجدان ميلها الى الامساك، و الحافظ لملكة الشجاعة يجب الا يترك الاقدام في الاخطار و الاهوال بشرط اشارة العقل، و يغضب على نفسه عند وجدان الجبن منها. و هكذا الحال في سائر الصفات. و هذا بمثابة الرياضة الجسمانية في حفظ الصحة البدنية.

(و منها) ان يقدم التروي على كل ما يفعله، لئلا تصدر عنه غفلة خلاف ما تقتضيه الفضيلة. و لو صدر عنه احيانا خلاف مقتضاها، فليؤدب نفسه بارتكاب ما يضاده، و يشق عليها عقوبة، بعد تعييرها و توبيخها، كما اذا اكل ما يضره من المطاعم فليؤدبها بالصوم، و اذا صدر عنه غضب مذموم في واقعة فليؤدبها بايقاعها في مثلها مع الصبر عليها، او في معرض اهانة السفهاء حتى يكسر جاهه او يؤدبها بارتكاب ما يشق عليها من النذر و الصدقة و غير ذلك. و ينبغي الا يترك الجد و السعي في التحصيل و الحفظ و ان بلغ الغاية لان التعطيل يؤدى الى الكسالة و هي الى انقطاع فيوضات عالم القدس، فتنسلخ الصورة الانسانية و تحصل الهلاكة الابدية، و السعي يوجب ازدياد تجرد النفس و صفائها و الانس بالحق و الالف بالصدق (2) ، فيتنفر عن الكذب و الباطل، و يتصاعد في مدارج الكمالات و مراتب السعادات، حتى تنكشف له الاسرار الالهية و الغوامض الربانية، و يتشبه بالروحانيات القادسة و ينخرط في سلك الملائكة المقدسة. و يجب ان يكون سعيه في امور الدنيا بقدر الضرورة، و يحرم على نفسه تحصيل الزائد، لانه لا شقاوة اشد من صرف الجوهر الباقي النوراني في تحصيل الخزف الفاني الظلماني الذي يفوت عنه و ينتقل الى اعدائه من الوارث و غيرهم.

(و منها) ان يحترز عما يهيج الشهوة و الغضب رؤية و سماعا و تخيلا، و من هيجهما كمن هيج كلبا عقورا او فرسا شموسا، ثم يضطر الى تدبير الخلاص عنه. و اذا تحركتا بالطبع فليقتصر في تسكينهما بما يسد الخلة و لا ينافي حفظ الصحة، و هو القدر الذى جوزه العقل و الشريعة.

(و منها) ان يستقصى في طلب خفايا عيوب نفسه، و اذا عثر على شى‏ء منها اجتهد في ازالته. و لما كانت النفس عاشقة لصفاتها و افعالها، فكثيرا ما يخفى عليها بعض عيوبها، فيلزم على كل طالب للصحة و حافظها ان يختار بعض اصدقائه ليتفحص عن عيوبه و يخبره بما اطلع عليه، و اذا اخبره بشى‏ء منها فليفرح و ليبادر الى ازالته حتى يثق صديقه بقوله، و يعلم ان اهداء شى‏ء من عيوبه اليه احسن عنده من كل ما يحبه و يهواه، و ربما كان العدو في هذا الباب انفع من الصديق، لان الصديق ربما يستر العيب و لا يظهره، و العدو مصر على اظهاره، بل ربما يتجاوز الى البهتان، فاذا اظهر الاعداء عيوبه فليشكر الله على ذلك و ليبادر الى رفعها و قمعها.

و مما ينفع في المقام ان يجعل صور الناس مرايا لعيوبه و يتفقد عيوبهم، و اذا عثر على عيب منهم تامل في قبحه، و يعلم ان هذا العيب اذا صدر عنه يكون قبيحا و يدرك غيره هذا القبح، فليجتهد في ازالته. و ينبغي ان يحاسب نفسه في آخر كل يوم و ليلة، و يتفحص عن جميع ما صدر من الافعال فيهما فان لم يصدر عنه شى‏ء من القبائح و الذمائم فليحمد الله على حسن تاييده، و ان صدر عنه شي‏ء من ذلك فليعاتب نفسه و يتوب، و يجتهد في الا يصدر عنه بعد ذلك مثله.

قانون العلاج في الطب الروحاني

(تنبيه) قد تبين ان للطب الروحاني اسوة بالطب الجسماني. و القانون في معالجة الامراض الجسمانية ان يعرف جنس المرض اولا، ثم الاسباب و العلامات، ثم يبين كيفية العلاج. و العلاج فيه اما كلي يتناول جميع الامراض، او جزئي يختص بمرض دون مرض، فكذلك الحال في الطب الروحاني. و نحن نشير الى ذلك في فصول:

فصل

(طريق معرفة الامراض النفسانية)

الامراض النفسانية هي انحرافات الاخلاق عن الاعتدال. و طريق معرفتها: انك قد عرفت ان القوى الانسانية محصورة في انواع ثلاثة:

(احدها) قوة التمييز، (و ثانيها) قوة الغضب و يعبر عنها بقوة الدفع، (و ثالثها) قوة الشهوة و يعبر عنها بقوة الجذب. و انحراف كل منها اما في الكمية او في الكيفية، و الانحراف في الكمية اما للزيادة من الاعتدال او للنقصان عنه، و الانحراف في الكيفية انما يكون برداءتها. فامراض كل قوة اما بحسب الافراط او التفريط، او بحسب رداءة الكيفية.

فالافراط في قوة التمييز: كالجربزة و الدهاء، و التجاوز عن حد النظر، و المبالغة في التنقير (3) ، و التوقف في غير موضعه للشبه الواهية، و الحكم على المجردات بقوة الوهم، و اعمال الذهن في ادراك ما لا يمكن دركه، و التفريط فيه كالبلاهة، و قصور النظر عن درك مقدار الواجب، كاجراء احكام المحسوسات على المجردات. و الرداءة كالسفسطة في الاعتقاد، و الميل الى العلوم الغير اليقينية-كعلم الجدل و الخلاف-ازيد مما يميل الى اليقينيات و استعمالهما في مقام اليقينيات، و الشوق الى علم الكهانة و الشعبذة و امثالهما للوصول الى الشهوات الخسيسة.

و اما الافراط في قوة الدفع: كشدة الغضب و الغيظ و فرط الانتقام بحيث‏يتشبه بالسباع. و اما التفريط، كعدم الغيرة و الحمية و التشبه بالاطفال و النسوان في الاخلاق و الصفات. و اما الرداءة فيها: كالغيظ على الجمادات و البهائم او على الناس لا بسبب موجب للانتقام.

و اما الافراط في قوة الجذب: فكالحرص على الاكل و الجماع ازيد من قدر الضرورة. و التفريط فيه: فكالفتور عن تحصيل الاقوات الضرورية و تضييع العيال و الخمود عن الشهوة حتى ينقطع عنه النسل. اما الردادة فيها: كشهوة الطين و الميل الى مقاربة الذكور.

ثم انك قد عرفت ان اجناس الفضائل اربعة، فاجناس الرذائل بحسب الكمية ثمانية، لكل فضيلة ضدان كل منهما ضد للاخر، و بحسب الكيفية اربعة، و يحصل من تركيبها و امتزاجها انواع و اصناف لا يعد كثرة، كما عرفت اكثرها.

فصل

(اسباب الامراض النفسانية)

اعلم ان اسباب الانحراف في الاخلاق، اما نفسية حاصلة في النفس في بدو فطرتها، او حادثة من مزاولتها للاعمال الردية، او جسمية-و هي الامراض الموجبة لبعض الملكات الردية-و السر في ذلك ان النفس لما كانت متعلقة بالبدن علاقة ارتباطية، فيتاثر كل منهما بتاثر الآخر، و كل كيفية تحدث في احدهما تسرى في الآخر، كما ان غضب النفس او تعشقها يوجب اضطراب البدن و ارتعاشه، و تاثر البدن بالامراض، (لا) سيما اذا حدثت في الاعضاء الرئيسية يوجب النقص في ادراك النفس و فساد تخيلها و كثيرا ما يحدث من بعض الامراض السوداوية فساد الاعتقاد و الجبن و سوء الظن، و من بعضها التهور، و يحصل من اكثر الامراض سوء الخلق.

فصل

(المعالجات الكلية لمرض النفس)

سبب الانحراف ان كان مرضا جسمانيا فيجب ان يبادر الى ازالته بالمعالجات الطبية، و ان كان نفسانيا فالمعالجة الكلية هنا كالمعالجة الكلية في الطب الجسماني. و المعالجة الكلية فيه ان يعالج المرض اولا بالغذاء الذى هو ضد المرض طبعا، كان يعالج المرض البارد بالغذاء الحار، فان لم ينفع فبالدواء و ان لم ينجع فبالسمومات، و ان لم يحصل بها البرء فبالكى او القطع، و هو آخر العلاج. فالقانون الكلى في المعالجة هنا ايضا كذلك، و هو ان يبادر بعد معرفة الانحراف الى تحصيل الفضيلة التي هي ضده، و المواظبة على الافعال التي هي آثارها، و هذا بمنزلة الغذاء المضاد للمرض، فكما ان حصول الحرارة في المزاج يدفع البرودة الحادثة فيه. فكذا كل فضيلة تحدث في النفس تزيل الرذيلة التي هي ضدها. فان لم ينفع فليوبخ النفس و يعيرها على هذه الرذيلة فكرا او قولا او عملا، و يعاتبها و يخاطبها بلسان الحال و المقال: ايتها النفس الامارة قد هلكت و تعرضت لسخط الله و غضبه، و عن قريب تعذبين في النار مع الشياطين و الاشرار. فان لم يؤثر ذلك فليرتكب آثار الرذيلة التي هي ضد هذه الرذيلة، بشرط محافظة التعديل، فصاحب الجبن مثلا يعمل اعمال المتهورين، فيخوض في المخاوف و الاهوال، و يلقي نفسه في موارد الحذر و الاخطار. و صاحب البخل يكثر من بذل الاموال، بشرط ان يكف اذا قرب زوال الجبن و البخل لئلا يقع في التهور و الاسراف، و هذا بمنزلة المداواة بالسم. فان لم ينفع ذلك لقوة استحكام المرض فليعذب النفس بانواع التكاليف الشاقة و الرياضات المتعبة المضعفة للقوة الباعثة على هذه الرذيلة، و هذا بمثابة الكى و القطع، و هو آخر العلاج.

المعالجات الخاصة لمرض النفس

(تنبيه) لما عرفت المعالجة الكلية الشاملة لجميع الرذائل باجناسها و انواعها و اصنافها، فلنشتغل الآن ببيان معالجة كل من الرذائل بخصوصه.

و قد عددنا قبل ذلك ما يتعلق بالقوى الثلاث من الرذائل و اضدادها من الفضائل مما له اسم مشهور، فههنا نذكر معالجة كل رذيلة بخصوصها، و نذيله بذكر ما يضادها من الفضيلة، و ما ورد في مدحها عقلا و نقلا، لان العلم بمعرفة كل فضيلة و حسنة اعون شى‏ء على ازالة ما يضادها من الرذيلة. و ربما كانت جملة من الرذائل المختلفة في الاسم مشتركة في المعالجة، و ربما كان للرذائل او الفضائل المتعددة ضد واحد منهما، فنحن نشير الى ذلك، و نشير ايضا في تلو كل رذيلة و فضيلة الى ما يتولد منهما من افعال الجوارح مع معالجته-ان كان له ذلك-و نراعى الترتيب المذكور في مقام الاجمال: فنذكر اولا ما يتعلق بالقوة العاقلة من الجنسين و انواعهما، ثم ما يتعلق بالقوة الغضبية، ثم ما يتعلق بالشهوية، ثم ما يتعلق بالثلاث و الاثنين منها، فهنا اربعة مقامات:

المقام الاول (في معالجة الرذائل المتعلقة بالقوة العاقلة)

الجربزة و علاجها-الجهل البسيط و علاجه-شرف العلم و الحكمة-آداب التعلم و التعليم-العلم الالهي و الاخلاق و الفقه اشرف العلوم-اصول العقائد المجمع عليها-الجهل المركب و الشك-اليقين-علامات صاحبه- مراتب اليقين-الشرك-التوحيد-التوكل على الله-حق التوكل بماذا يحصل-مناجاة السر لارباب القلوب-الخواطر النفسانية و الوساوس- اقسام الخواطر و منها الالهام-المطاردة بين جندى الملائكة و الشياطين في معركة النفس-العلائم الفارقة بين الالهام و الوسوسة-علاج الوساوس- ما يتم به علاج الوساوس-ما يتوقف قطع الوساوس عليه-حديث النفس لا مؤاخذة عليه-الخاطر المحمود و التفكر-مجارى التفكر في العوالم و المخلوقات اما جنسا رذائلها (4) [فاولهما]:

الجربزة

الموجبة للخروج في الفكر عن الحد اللائق و عدم استقامة الذهن على شى‏ء بل لا يزال يستخرج امورا دقيقة غير مطابقة للواقع و يتجاوز عن الحق و لا يستقر عليه، و ربما ادى في العقليات الى الالحاد و فساد الاعتقاد، بل الى نفي حقائق الاشياء راسا كما للسوفسطائية، و في الشرعيات الى الوسواس. (و علاجه)

بعد تذكر قبحه و ايجابه للهلاك، ان يكلف نفسه على الاستقامة على مقتضى الادلة المعتبرة عند اولى الافهام المستقيمة، و لا يتجاوز عن معتقدات اهل الحق المعروفين بالتحقيق و استقامة القريحة، و لا يزال يكلف نفسه على ذلك حتى يعتاد القيام على الوسط. و ربما كان للاشتغال بالتعليمات نفع في ذلك.

[و ثانيهما]:

الجهل البسيط

و قد عرفت انه من باب التفريط، و هو خلو النفس عن العلم من دون اعتقاد بكونها عالمة. و هو في البداية غير مذموم لتوقف التعلم عليه، اذ ما لم تعتقد النفس جهلها بالمعارف لم تنهض لتحصيلها. و اما الثبات عليه فهو من المهلكات العظيمة. و الطريق في ازالة امور: (الاول) ان يتذكر ما يدل على قبحه و نقصه عقلا، و هو ان يعلم ان الجاهل ليس انسانا بالحقيقة، و انما يطلق عليه الانسان مجازا، اذ فضل الانسان عن سائر الحيوانات انما هو ادراك الكلى المعبر عنه بالعلم، لمشاركتها معه في سائر الامور من الجسمية و القوى الغصبية و الشهوية و الصوت و غير ذلك، فلو لا علمه بحقائق الاشياء و خواصها لكان حيوانا بالحقيقة، و لذا ترى ان من كان في محل محاورات العلماء و كان جاهلا باقوالهم لم يكن فرق بينه و بين البهائم بالنسبة اليهم. و اى هلاك اعظم من الخروج عن حدود الانسانية و الدخول في حد البهيمية. (الثاني)

ان يتذكر ما ورد في الشريعة من الذم عليه مثل قوله-صلى الله عليه و آله و سلم-: «ستة يدخلون في النار قبل الحساب لستة‏» و عد منهم اهل الرساتيق بالجهالة. (الثالث) ان يتذكر ما يدل على فضيلة العلم عقلا و نقلا كما نذكره و اذا وقف على جميع ذلك فليتيقظ عن سنة الغفلة، و يصرف في ازالته الهمة و يجتهد في تحصيل العلم عن اهاليه، و يصرف فيه ايامه و لياليه.

فصل

(شرف العلم و الحكمة)

قد علم ان ضد الجنسين-اى الجربزة و السفسطة و الجهل-هو الحكمة، اعنى العلم بحقائق الاشياء. فلنذكر اولا بعض ما يدل على شرافته عقلا و نقلا ترغيبا للطالبين على السعى في تحصيله و ازالة الجهل عن نفوسهم، فنقول:

لا ريب في ان العلم افضل الفضائل الكمالية و اشرف النعوت الجمالية، بل هو اجل الصفات الربوبية و اجمل السمات الالوهية، و هو الموصل الى جوار رب العالمين و الدخول في افق الملائكة المقربين، و هو المؤدى الى دار المقامة التى لا تزول و محل الكرامة التي لا تحول، و قد تطابق العقل و البرهان و اجماع ارباب الاديان على: ان السعادة الابدية و القرب من الله سبحانه لا يتيسران بدونه، و اى شى‏ء افضل مما هو ذريعة اليهما. و ايضا قد ثبت في الحكمة المتعالية: ان العلم و التجرد متلازمان، فكلما تزداد النفس علما تزداد تجردا، و لا ريب في ان التجرد اشرف الكمالات المتصورة للانسان، اذ به يحصل التشبه بالملا الاعلى و اهل القرب من الله تعالى.

و من جملة العلوم معرفة الله التى هي السبب الكلى لايجاد العالم العلوى و السفلى، كما دل عليه الخبر القدسى: «كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق‏» . على ان العلم لذيذ في نفسه محبوب في ذاته، و ما يحصل منه من اللذة و الابتهاج قلما يحصل من غيره. و اسر فيه ان ادراك الاشياء و الاحاطة بها نوع تملك و تصرف لها، اذ تتقرر في ذات المدرك حقائقها و صورها، و مثل هذا التملك لدوامه و جزئية المدرك للمدرك اقوى من ملكية الاعيان المبائنة لذات المالك الزائلة عنه. و التحقيق: ان اطلاق الملكية عليه مجازي، و النفس لكونها من سنخ عالم الربوبية تحت القهر و الاستيلاء على الاشياء و المالكية لها باى نحو كان، اذ معنى الربوبية التوحيد بالكمال و الاقتدار و الغلبة على الاشياء.

ثم من فوائد العلم في الدنيا العز و الاعتبار عند الاخيار و الاشرار، و نفوذ الحكم على الملوك و ارباب الاقتدار، فان طباع الانام من الخاص و العام مجبولة على تعظيم اهل العلم و توقيرهم و وجوب اطاعتهم و احترامهم، بل جميع الحيوانات من البهائم و السباع مطيعة للانسان مسخرة له، لاختصاصه بقوة الادراك و مزيد التمييز. و لو تصفحت آحاد الناس لم تجد احدا له تفوق و زيادة على غيره في جاه او مال او غير ذلك الا و هو راجع الى اختصاصه بمزيد تمييز و ادراك، و لو كان من باب المكر و الحيل.

هذا و ما يدل على شرافة العلم من الايات و الاخبار اكثر من ان تحصى نبذة منها قوله تعالى:

«انما يخشى الله من عباده العلماء» (5)

و قوله تعالى:

«هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون‏» (6)

و قوله تعالى:

«و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا» (7)

و قوله تعالى:

«و تلك الامثال نضربها للناس و ما يعقلها الا العالمون‏» (8)

و قول النبي-صلى الله عليه و آله و سلم-: «اللهم ارحم خلفائى. قيل:

يا رسول الله! من خلفاؤك؟ قال: الذين ياتون من بعدى و يروون حديثي و سنتى‏» . و قوله-صلى الله عليه و آله و سلم-لابي ذر: «جلوس ساعة عند مذاكرة العلم احب الى الله تعالى من قيام الف ليلة يصلى في كل ليلة الف ركعة و احب اليه من الف غزوة، و من قراءة القرآن كله اثنى عشر الف مرة و خير من عبادة سنة صام نهارها و قام ليلها، و من خرج من بيته ليلتمس بابا من العلم كتب الله عز و جل له بكل قدم ثواب نبى من الانبياء، و ثواب الف شهيد من شهداء بدر، و اعطاه الله بكل حرف يسمع او يكتب مدينة في الجنة و طالب العلم يحبه الله و تحبه الملائكة و النبيون، و لا يحب العلم الا السعيد و طوبى لطالب العلم، و النظر في وجه العالم خير من عتق الف رقبة، و من احب العلم و جبت له الجنة، و يصبح و يمسي في رضى الله، و لا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر و ياكل من ثمرة الجنة، و لا ياكل الدود جسده و يكون في الجنة رفيق خضر عليه السلام‏» .

و قول امير المؤمنين عليه السلام: «ان كمال الدين طلب العلم و العمل به، و ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال، و ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم، و قد ضمنه و سيفى لكم، و العلم مخزون عند اهله فاطلبوه‏» . و قوله عليه السلام: «اذا مات مؤمن و ترك ورقة واحدة عليها علم، تكون تلك الورقة سترا بينه و بين النار، و اعطاه الله بكل حرف عليها مدينة اوسع من الدنيا سبع مرات‏» .

و قول سيد الساجدين علي بن الحسين-عليهما السلام-: «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه، و لو بسفك المهج و خوض اللج‏» .

و قول الباقر عليه السلام: «عالم ينتفع بعلمه افضل من سبعين الف عابد»

و قول الصادق عليه السلام: «لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا اعينهم الى ما متع به الاعداء من زهرة الحياة الدنيا و نعيمها، و كانت دنياهم اقل عندهم مما يطؤن بارجلهم، و لتنعموا بمعرفة الله و تلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع اولياء الله. ان معرفة الله تعالى انس من كل وحشة، و صاحب من كل وحدة، و نور من كل ظلمة، و قوة من كل ضعف و شفاء من كل سقم، قد كان قوم قبلكم يقتلون و يحرقون و ينشرون و تضيق عليهم الارض برحبها، فما يردهم عما هم عليه شى‏ء مما هم فيه من غير تردة و تروا من فعل ذلك بهم و لا اذى بما نقموا منهم:

«الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد» (9)

فاسالوا ربكم درجاتهم، و اصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم‏» .

و عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام-عن النبي-صلى الله عليه و آله و سلم-انه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم في مظانه، و اقتبسوه من اهله، فان تعلمه لله تعالى حسنة، و طلبه عبادة، و المذاكرة به تسبيح، و العمل به جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و بذله لاهله قربة الى الله، لانه معالم الحلال و الحرام، و منار سبيل الجنة، و المؤنس في الوحشة، و الصاحب في الغربة و الوحدة، و المحدث في الخلوة، و الدليل على السراء و الضراء، و السلاح على الاعداء. و الزين عند الاخلاء، يرفع الله به اقواما، و يجعلهم في الخير قادة، تقتبس آثارهم، و يقتدى بافعالهم و ينتهى الى آرائهم، ترغب الملائكة في خلتهم، و باجنحتها تمسهم، و في صلاتها تبارك عليهم، و يستغفر لهم كل رطب و يابس حتى حيتان البحر و هو امه و سباع البر و انعامه. ان العلم حياة القلوب من الجهل، و ضياء الابصار من الظلمة و قوة الابدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الاخيار و مجالس الابرار و الدرجات العلى في الآخرة و الاولى. الذكر فيه يعدل بالصيام و مدارسته بالقيام. به يطاع الرب و يعبد، و به توصل الارحام، و يعرف الحلال و الحرام العلم امام و العمل تابعه، يلهمه السعداء و يحرمه الاشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله من حظه‏» .

آداب التعلم و التعليم

[تنبيه]لكل من التعلم و التعليم آداب و شروط:

[اما آداب التعلم]:

(فمنها) ان يجتنب المتعلم عن اتباع الشهوات و الهوى و الاختلاط بابناء الدنيا. و لقد قال بعض الاكابر: «كما ان الحاسة الجليدية اذا كانت مؤوفة برمد و نحوه فهي محرومة من الاشعة الفائضة عن الشمس، كذلك البصيرة اذا كانت مؤوفة بمتابعة الشهوات و الهوى و المخالطة بابناء الدنيا فهى محرومة من ادراك الانوار القدسية و محجوبة عن ذوق اللذات الانسية‏» .

(و منها) ان يكون تعلمه لمجرد التقرب الى الله و الفوز بالسعادات الاخروية، و لم يكن باعثه شيئا من المراء و المجادلة، و المباهاة و المفاخرة، و الوصول الى جاه و مال، او التفوق على الاقران و الامثال. قال الباقر عليه السلام: «من طلب العلم ليباهي به العلماء او يمارى به السفهاء او يصرف به وجوه الناس فليتبوا مقعده من النار، ان الرئاسة لا تصلح الا لاهلها» و قال الصادق عليه السلام: «طلبة العلم ثلاثة، فاعرفهم باعيانهم و صفاتهم صنف يطلبه للجهل (10) و المراء، و صنف يطلبه للاستطالة و الختل، و صنف يطلبه للفقه و العقل. فصاحب الجهل و المراء مؤذ ممار، متعرض للمقال في اندية الرجال بتذاكر العلم و صفة الحلم، و قد تسربل بالخشوع و تخلى من الورع، فدق الله من هذا خيشومه و قطع منه حيزومه، و صاحب الاستطالة و الختل ذو خب و ملق، يستطيل على مثله من اشباهه، و يتواضع للاغنياء من دونه، فهو لحلوانهم (11) هاضم و لدينه حاطم، فاعمى الله على هذا خبره.

و قطع من آثار العلماء اثره. و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن و سهر، قد تحنك في برنسه و قام الليل في حندسه، يعمل و يخشى و جلا داعيا مشفقا مقبلا على شانه عارفا باهل زمانه مستوحشا من اوثق اخوانه، فشد الله من هذا اركانه و اعطاه يوم القيامة امانه‏» .

(و منها) ان يعمل بما يفهم و يعلم، فان من عمل بما يعلم ورثه الله ما لم يعلم. و قال الصادق عليه السلام: «العلم مقرون الى العمل، من علم عمل و من عمل علم، و العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل عنه‏» . و عن السجاد عليه السلام: «مكتوب في الانجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعملون و لما تعملوا بما علمتم، فان العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفرا و لم يزدده من الله الا بعدا» . و عن النبي-صلى الله عليه و آله و سلم-: «من اخذ العلم من اهله و عمل بعلمه نجا، و من اراد به الدنيا فهى حظه‏» .

و عنه-صلى الله عليه و آله و سلم-: «العلماء رجلان: رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك، و ان اهل النار ليتاذون من ريح العالم التارك لعلمه، و ان اشد اهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا الى الله فاستجاب له و قبل منه، فاطاع الله فادخله الجنة، و ادخل الداعى النار بترك عمله (12) و اتباعه الهوى و طول الامل، اما اتباع الهوى فيصد عن الحق و طول الامل ينسي الآخرة‏» .

(و منها) ان يحافظ شرائط الخضوع و الادب للمعلم، و لا يرد عليه شيئا بالمواجهة، و يكون محبا له بقلبه، و لا ينسى حقوقه، لانه والده المعنوى الروحاني، و هو اعظم الآباء الثلاثة. قال الصادق عليه السلام: «اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم و الوقار، و تواضعوا لمن تعلمونه العلم، و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم، و لا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم‏» .

هذا و قد اشرنا سابقا الى ان اللازم لكل متعلم ان يطهر نفسه اولا من رذائل الاخلاق و ذمائم الاوصاف باسرها، اذ ما لم يجرد لوح نفسه عن النقوش الردية لم تشرق عليه لمعات انوار العلم و الحكمة من الواح العقول الفعالة القدسية.

(و اما آداب التعليم) :

(فمنها) ان يخلص المعلم تعليمه لله سبحانه و لم يكن له فيه باعث دنيوى من طمع مالي او جاه و رئاسة او شهرة بين الناس، بل يكون الباعث مجرد التقرب الى الله تعالى و الوصول الى المثوبات الابدية، فان من علم غيره علما كان شريكا، في ثواب تعليم هذا الغير لآخر، و في ثواب تعليم هذا الآخر لغيره. . . و هكذا الى غير النهاية، فيصل بتعليم واحد الى مثوبات التعاليم الغير المتناهية، و كفى بهذا له فضلا و شرفا.

(و منها) ان يكون مشفقا على المتعلم ناصحا له، مقتصرا في الافادة على قدر فهمه، متكلما معه باللين و الهشاشة لا بالغلظة و الفظاظة.

(و منها) ان لا يضن العلم من اهله و يمنعه عن غير اهله، لان بذل ال&#